محمد أبو زهرة

1230

زهرة التفاسير

الخلق المراد به هنا التصوير ، أي أنه صور من الطين كهيئة الطير ، أي بشكله ، فينفخ فيه ، فكان طيرا بإذن اللّه تعالى ، فهنا أعمال ثلاثة » اثنان منها لعيسى عليه السلام ، والثالث للّه تعالى جل جلاله وعظمت قدرته ، أما اللذان لعيسى فهما : تصوير الطين كهيئة الطير ، والنفخ فيه ، وأما الثالث الذي هو من عمل اللّه تعالى وحده ، فهو خلق الحياة في هذه الصورة التي صورها عيسى عليه السلام ؛ ولذلك قال : بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره وإعلامه ، والكون كله بأمره سبحانه إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وهذا يدل على أنه لم يكن في عيسى ألوهية ، ولا أي معنى من معانيها . ولقد قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده : إن الصيغة التي ذكرت بها هذه الآية وهو قوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ تدل على استطاعته ذلك ولكنها لا تدل على الوقوع ، وعندي أنها تومئ إلى الوقوع لأن ذكر الكيفية وهو أنه يتخذ من الطين صورة الطير ، ثم النفخ ثم الكون طيرا يدل على الوقوع لا على مجرد الاستطاعة وفوق هذا فإن آية المائدة تدل على الوقوع بشكل أوضح من هذا ؛ فإنه سبحانه وتعالى يقول : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ فهذا النص الكريم دليل على الوقوع ، لا على إمكان الوقوع ؛ لأن اللّه تعالى لا يمن عليه إلا بالذي وقع فعلا . والآية الثانية والثالثة : بينهما سبحانه وتعالى بقوله : وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ الأكمه هو الأعمى الذي يولد أعمى ، أي الذي لم يؤت حاسة الإبصار ؛ أجرى اللّه تعالى على يد عيسى عليه السلام إبراءه . والأبرص هو الذي يكون في جلده بياض مشوب بحمرة ، وهو مرض لا يبرأ منه من يصاب به ؛ فهذان مرضان لا يتصور بمقتضى العادة ، والأسباب الجارية بين الناس أنه يمكن أن يكون منهما شفاء ؛ لأن الأول يولد به الشخص ناقصا حاسة الإبصار ، والثاني لم يصل الطب إلى الآن إلى طريق للشفاء منه ، فإذا كان اللّه قد أجرى على يدي عيسى عليه السلام الشفاء بهما فإن هذا